فصل: فَصْلٌ: مَنْزِلَةُ الصَّفَاءِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: [الْمَعْنَى الثَّالِثِ: الْوَقْتُ الْحَقُّ]:

قَالَ: وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ، قَالُوا: الْوَقْتُ الْحَقُّ. أَرَادُوا بِهِ: اسْتِغْرَاقَ رَسْمِ الْوَقْتِ فِي وُجُودِ الْحَقِّ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَسْبِقُ عَلَى هَذَا الِاسْمِ عِنْدِي. لَكِنَّهُ هُوَ اسْمٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى الثَّالِثِ، لِحِينِ تَتَلَاشَى فِيهِ الرُّسُومُ كَشْفًا. لَا وُجُودًا مَحْضًا. وَهُوَ فَوْقُ الْبَرْقِ وَالْوَجْدِ. وَهُوَ يُشَارِفُ مَقَامَ الْجَمْعِ، لَوْ دَامَ وَبَقِيَ. وَلَا يَبْلُغُ وَادِيَ الْوُجُودِ، لَكِنَّهُ يَكْفِي مَؤُنَةَ الْمُعَامَلَةِ، وَيُصَفِّي عَيْنَ الْمُسَامَرَةِ. وَيَشُمُّ رَوَائِحَ الْوُجُودِ.
هَذَا الْمَعْنَى الثَّالِثُ مِنْ مَعَانِي الْوَقْتِ أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ. وَأَصْعَبُ تَصَوُّرًا وَحُصُولًا. فَإِنَّ الْأَوَّلَ: وَقْتُ سُلُوكٍ يَتَلَوَّنُ. وَهَذَا وَقْتُ كَشْفٍ يَتَمَكَّنُ. وَلِذَلِكَ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَ الْحَقِّ لِغَلَبَةِ حُكْمِهِ عَلَى قَلْبِ صَاحِبِهِ. فَلَا يُحِسُّ بِرَسْمِ الْوَقْتِ، بَلْ يَتَلَاشَى ذِكْرُ وَقْتِهِ مِنْ قَلْبِهِ، لِمَا قَهَرَهُ مِنْ نُورِ الْكَشْفِ.
فَقَوْلُهُ: قَالُوا: الْوَقْتُ هُوَ الْحَقُّ.
يَعْنِي: أَنَّ بَعْضَهُمْ أَطْلَقَ اسْمَ الْحَقِّ عَلَى الْوَقْتِ، ثُمَّ فَسَّرَ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ. وَأَنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ اسْتِغْرَاقَ رَسْمِ الْوَقْتِ فِي وُجُودِ الْحَقِّ. وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ السَّالِكَ بِهَذَا الْمَعْنَى الثَّالِثِ لِلْحَقِّ: إِذَا اشْتَدَّ اسْتِغْرَاقُهُ فِي وَقْتٍ يَتَلَاشَى عَنْهُ وَقْتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَتَقْرِيبُ هَذَا إِلَى الْفَهْمِ: أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ اسْتِغْرَاقَ وَقْتِهِ الْحَاضِرِ فِي مَاهِيَّةِ الزَّمَانِ. فَقَدِ اسْتَغْرَقَ الزَّمَانُ رَسْمَ الْوَقْتِ إِلَى مَا هُوَ جُزْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَانْغَمَرَ فِيهِ. كَمَا تَنْغَمِرُ الْقَطْرَةُ فِي الْبَحْرِ. ثُمَّ إِنَّ الزَّمَانَ- الْمَحْدُودَ الطَّرَفَيْنِ- يَسْتَغْرِقُ رَسْمُهُ فِي وُجُودِ الدَّهْرِ. وَهُوَ مَا بَيْنَ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ. ثُمَّ إِنَّ الدَّهْرَ يَسْتَغْرِقُ رَسْمَهُ فِي دَوَامِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ. وَذَلِكَ الدَّوَامُ: هُوَ صِفَةُ الرَّبِّ. فَهُنَاكَ يَضْمَحِلُّ الدَّهْرُ وَالزَّمَانُ وَالْوَقْتُ. وَلَا يَبْقَى لَهُ نِسْبَةٌ إِلَى دَوَامِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ أَلْبَتَّةَ. فَاضْمَحَلَّ الزَّمَانُ وَالدَّهْرُ وَالْوَقْتُ فِي الدَّوَامِ الْإِلَهِيِّ، كَمَا تَضْمَحِلُّ الْأَنْوَارُ الْمَخْلُوقَةُ فِي نُورِهِ، وَكَمَا يَضْمَحِلُّ عِلْمُ الْخَلْقِ فِي عِلْمِهِ، وَقُدْرَتُهُمْ فِي قُدْرَتِهِ، وَجَمَالُهُمْ فِي جَمَالِهِ، وَكَلَامُهُمْ فِي كَلَامِهِ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلْمَخْلُوقِ نِسْبَةٌ مَا إِلَى صِفَاتِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ.
وَالْقَوْمُ إِذَا أَطْلَقَ أَهْلُ الِاسْتِقَامَةِ مِنْهُمْ مَا فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ أَوْ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ أَوْ هُنَاكَ: يَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ. وَيَبْقَى مَنْ لَمْ يَزَلْ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ، فَهَذَا مُرَادُهُمْ. لَا سِيَّمَا إِذَا حَصَلَ هَذَا الِاسْتِغْرَاقُ فِي الشُّهُودِ كَمَا هُوَ فِي الْوُجُودِ. وَغَلَبَ سُلْطَانُهُ عَلَى سُلْطَانِ الْعِلْمِ. وَكَانَ الْعِلْمُ مَغْمُورًا بِوَارِدِهِ. وَفِي قُوَّةِ التَّمْيِيزِ ضَعْفٌ. وَقَدْ تَوَارَى الْعِلْمُ بِالشُّهُودِ وَحَكَمَ الْحَالُ.
فَهُنَاكَ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} وَتَزِلُّ أَقْدَامٌ كَثِيرَةٌ إِلَى الْحَضِيضِ الْأَدْنَى. وَلَا رَيْبَ أَنَّ وُجُودَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَدَوَامَهُ يَسْتَغْرِقُ وُجُودَ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَوَقْتَهُ وَزَمَانَهُ. بِحَيْثُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ.
وَمِنْ هُنَا غَلِطَ الْقَائِلُونَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ. وَظَنُّوا أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ وُجُودٌ أَلْبَتَّةَ. وَغَرَّهُمْ كَلِمَاتٌ مُشْتَبِهَاتٌ جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ مِنَ الطَّائِفَةِ. فَجَعَلُوهَا عُمْدَةً لِكُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ. وَظَنُّوا أَنَّ السَّالِكِينَ سَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ، وَتَصِيرُ طَرِيقَةُ النَّاسِ وَاحِدَةً {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.
قَوْلُهُ: وَهَذَا الْمَعْنَى يَسْبِقُ عَلَى هَذَا الِاسْمِ عِنْدِي.
يُرِيدُ: أَنَّ الْحَقَّ سَابِقٌ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي هُوَ الْوَقْتُ أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِالْوَقْتِ. فَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الْأَوْقَاتَ حَادِثَةٌ.
قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ اسْمٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى الثَّالِثِ، لِحِينِ تَتَلَاشَى فِيهِ الرُّسُومُ كَشْفًا لَا وُجُودًا مَحْضًا.
تَلَاشِي الرُّسُومِ اضْمِحْلَالُهَا وَفَنَاؤُهَا. وَالرُّسُومُ عِنْدَهُمْ: مَا سِوَى اللَّهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ: أَنَّهَا إِنَّمَا تَتَلَاشَى فِي وُجُودِ الْعَبْدِ الْكَشْفِيِّ. بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ سَعَةٌ لِلْإِحْسَاسِ بِهَا، لِمَا اسْتَغْرَقَهُ مِنَ الْكَشْفِ. فَهَذِهِ عَقِيدَةُ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ مِنَ الْقَوْمِ.
وَأَمَّا الْمَلَاحِدَةُ، أَهْلُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ، فَعِنْدَهُمْ: أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُتَلَاشِيَةً فِي عَيْنِ وُجُودِ الْحَقِّ، بَلْ وُجُودُهَا هُوَ نَفْسُ وُجُودِهِ. وَإِنَّمَا كَانَ الْحِسُّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوُجُودَيْنِ. فَلَمَّا غَابَ عَنْ حِسِّهِ بِكَشْفِهِ، تَبَيَّنَ أَنَّ وُجُودَهَا هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْحَقِّ.
وَلَكِنَّ الشَّيْخَ كَأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْكَشْفِ وَالْوُجُودِ عَنِ الْمَقَامَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي كِتَابِهِ. وَالْكَشْفُ هُوَ دُونَ الْوُجُودِ عِنْدَهُ. فَإِنَّ الْكَشْفَ يَكُونُ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ رُسُومِ صَاحِبِهِ. فَلَيْسَ مَعَهُ اسْتِغْرَاقٌ فِي الْفَنَاءِ. وَالْوُجُودُ لَا يَكُونُ مَعَهُ رَسْمٌ بَاقٍ. وَلِذَلِكَ قَالَ: لَا وُجُودًا مَحْضًا، فَإِنَّ الْوُجُودَ الْمَحْضَ عِنْدَهُ: يُفْنِي الرُّسُومَ. وَبِكُلِّ حَالٍ: فَهُوَ يُفْنِيهَا مِنْ وُجُودِ الْوَاجِدِ، لَا يُفْنِيهَا فِي الْخَارِجِ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْوَاصِلَ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ يَصِيرُ لَهُ وُجُودٌ آخَرُ، غَيْرُ وُجُودِهِ الطَّبِيعِيِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ. وَيَصِيرُ لَهُ نَشْأَةٌ أُخْرَى لِقَلْبِهِ وَرُوحِهِ، نِسْبَةُ النَّشْأَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ إِلَيْهَا كَنِسْبَةِ النَّشْأَةِ فِي بَطْنِ الْأُمِّ إِلَى هَذِهِ النَّشْأَةِ الْمُشَاهَدَةِ فِي الْعَالَمِ، وَكَنِسْبَةِ هَذِهِ النَّشْأَةِ إِلَى النَّشْأَةِ الْأُخْرَى.
فَلِلْعَبْدِ أَرْبَعُ نَشْآتٍ: نَشْأَةٌ فِي الرَّحِمِ، حَيْثُ لَا بَصَرَ يُدْرِكُهُ. وَلَا يَدَ تَنَالُهُ. وَنَشْأَةٌ فِي الدُّنْيَا. وَنَشْأَةٌ فِي الْبَرْزَخِ. وَنَشْأَةٌ فِي الْمَعَادِ الثَّانِي. وَكُلُّ نَشْأَةٍ أَعْظَمُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا. وَهَذِهِ النَّشْأَةُ لِلرُّوحِ وَالْقَلْبِ أَصْلًا، وَلِلْبَدَنِ تَبَعًا.
فَلِلرُّوحِ فِي هَذَا الْعَالَمِ نَشْأَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: النَّشْأَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ. وَالثَّانِيَةُ: نَشْأَةٌ قَلْبِيَّةٌ رُوحَانِيَّةٌ، يُولَدُ بِهَا قَلْبُهُ، وَيَنْفَصِلُ عَنْ مَشِيمَةِ طَبْعِهِ، كَمَا وُلِدَ بَدَنُهُ وَانْفَصَلَ عَنْ مَشِيمَةِ الْبَطْنِ.
وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِهَذَا فَلْيَضْرِبْ عَنْ هَذَا صَفْحًا، وَلْيَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ.
وَفِي كِتَابِ الزُّهْدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ: إِنَّكُمْ لَنْ تَلِجُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ حَتَّى تُولَدُوا مَرَّتَيْنِ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- يَقُولُ: هِيَ وِلَادَةُ الْأَرْوَاحِ وَالْقُلُوبِ مِنَ الْأَبْدَانِ، وَخُرُوجُهَا مِنْ عَالِمِ الطَّبِيعَةِ، كَمَا وُلِدَتِ الْأَبْدَانُ مِنَ الْبَدَنِ وَخَرَجَتْ مِنْهُ. وَالْوِلَادَةُ الْأُخْرَى: هِيَ الْوِلَادَةُ الْمَعْرُوفَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: وَهُوَ فَوْقَ الْبَرْقِ وَالْوَجْدِ.
يَعْنِي: أَنَّ هَذَا الْكَشْفَ الَّذِي تَلَاشَتْ فِيهِ الرُّسُومُ: فَوْقَ مَنْزِلَتَيِ الْبَرْقِ وَالْوَجْدِ، فَإِنَّهُ أَثْبَتُ وَأَدْوَمُ، وَالْوُجُودُ فَوْقَهُ. لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِالدَّوَامِ.
قَوْلُهُ: وَهُوَ يُشَارِفُ مَقَامَ الْجَمْعِ لَوْ دَامَ.
أَيْ لَوْ دَامَ هَذَا الْوَقْتُ لَشَارَفَ مَقَامَ الْجَمْعِ وَهُوَ ذَهَابُ شُعُورِ الْقَلْبِ بِغَيْرِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، شُغْلًا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. فَهُوَ جَمْعٌ فِي الشُّهُودِ.
وَعِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ: هُوَ جَمْعٌ فِي الْوُجُودِ.
وَمَقْصُودُهُ: أَنَّهُ لَوْ دَاوَمَ الْوَقْتُ بِهَذَا الْمَعْنَى الثَّالِثِ: لَشَارَفَ حَضْرَةَ الْجَمْعِ. لَكِنَّهُ لَا يَدُومُ.
قَوْلُهُ: وَلَا يَبْلُغُ وَادِيَ الْوُجُودِ يَعْنِي: أَنَّ الْوَقْتَ الْمَذْكُورَ لَا يَبْلُغُ السَّالِكُ فِيهِ وَادِيَ الْوُجُودِ حَتَّى يَقْطَعَهُ. وَوَادِي الْوُجُودِ: هُوَ حَضْرَةُ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ يَلْقَى مُؤْنَةَ الْمُعَامَلَةِ.
يَعْنِي: أَنَّ الْوَقْتَ الْمَذْكُورَ- وَهُوَ الْكَشْفُ الْمُشَارِفُ لِحَضْرَةِ الْجَمْعِ- يُخَفِّفُ عَنِ الْعَامِلِ أَثْقَالَ الْمُعَامَلَةِ، مَعَ قِيَامِهِ بِهَا أَتَمَّ الْقِيَامِ، بِحَيْثُ تَصِيرُ هِيَ الْحَامِلَةَ لَهُ. فَإِنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ عَلَى الْخَبَرِ. فَصَارَ يَعْمَلُ عَلَى الْعِيَانِ. هَذَا مُرَادُ الشَّيْخِ.
وَعِنْدَ الْمُلْحِدِ: أَنَّهُ يَفْنَى عَنِ الْمُعَامَلَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَيُرَدُّ صَاحِبُهُ إِلَى الْمُعَامَلَاتِ الْقَلْبِيَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ إِشْبَاعُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ وَيُصَفِّي عَنِ الْمُسَامَرَةِ الْمُسَامَرَةُ: عِنْدَ الْقَوْمِ هِيَ الْخِطَابُ الْقَلْبِيُّ الرُّوحِيُّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّ تَسْمِيَتَهَا بِالْمُنَاجَاةِ أَوْلَى. فَهَذَا الْكَشْفُ يَخْلُصُ عَنِ الْمُسَامَرَةِ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَمُنَاجَاتِهِ.
قَوْلُهُ: وَيَشُمُّ رَوَائِحَ الْوُجُودِ أَيْ صَاحِبُ مَقَامِ هَذَا الْوَقْتِ الْخَاصِّ: يَشُمُّ رَوَائِحَ الْوُجُودِ. وَهُوَ حَضْرَةُ الْجَمْعِ. فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا بِالْجَمْعِ وَالْوُجُودِ. وَيَعْنُونَ بِذَلِكَ: ظُهُورَ وُجُودِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ. وَفَنَاءَ وُجُودِ مَا سِوَاهُ.
وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ فَنَاءَ وُجُودِ مَا سِوَاهُ بِأَحَدِ اعْتَبَارَيْنِ: إِمَّا فَنَاؤُهُ مِنْ شُهُودِ الْعَبْدِ فَلَا يَشْهَدُهُ، وَإِمَّا اضْمِحْلَالُهُ وَتَلَاشِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُودِ الرَّبِّ. وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ. فَهُوَ إِلْحَادٌ وَكُفْرٌ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

.فَصْلٌ: مَنْزِلَةُ الصَّفَاءِ:

وَمِنْهَا مَنْزِلَةُ الصَّفَاءِ، قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ:
بَابُ الصَّفَاءِ. قَالَ اللَّهُ عز وجل: {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} الصَّفَاءُ اسْمٌ لِلْبَرَاءَةِ مِنَ الْكَدَرِ. وَهُوَ فِي هَذَا الْبَابِ سُقُوطُ التَّلْوِينِ.
أَمَّا الِاسْتِشْهَادُ بِالْآيَةِ: فَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُصْطَفَى مُفْتَعَلٌ مِنَ الصَّفْوَةِ. وَهِيَ خُلَاصَةُ الشَّيْءِ، وَتَصْفِيَتُهُ مِمَّا يَشُوبُهُ. وَمِنْهُ: اصْطَفَى الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ. أَيْ خَلَّصَهُ مِنْ شَوْبِ شَرِكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِيهِ. وَمِنْهُ الصَّفِيُّ وَهُوَ السَّهْمُ الَّذِي كَانَ يَصْطَفِيهِ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِنَفْسِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ. وَمِنْهُ: الشَّيْءُ الصَّافِي. وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْ كَدَرِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: الصَّفَاءُ: اسْمٌ لِلْبَرَاءَةِ مِنَ الْكَدَرِ.
الْبَرَاءَةُ: هِيَ الْخَلَاصُ. وَالْكَدَرُ امْتِزَاجُ الطَّيِّبِ بِالْخَبِيثِ.
قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي هَذَا الْبَابِ: سُقُوطُ التَّلْوِينِ.
التَّلْوِينُ هُوَ التَّرَدُّدُ وَالتَّذَبْذُبُ، كَمَا قِيلَ:
كُلَّ يَوْمٍ تَتَلَوَّنُ ** تَرْكُ هَذَا بِكَ أَجْمَلُ

.[دَرَجَاتُ الصَّفَاءِ]:

.[الدَّرَجَةُ الْأُولَى: صَفَاءُ عِلْمٍ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ]:

قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ. الدَّرَجَةُ الْأُولَى: صَفَاءُ عِلْمٍ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ. وَيُبَصِّرُ غَايَةَ الْجِدِّ. وَيُصَحِّحُ هِمَّةَ الْقَاصِدِ.
ذَكَرَ الشَّيْخُ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلَاثَ فَوَائِدَ.
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: عِلْمٌ يُهَذِّبُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ، وَهَذَا الْعِلْمُ الصَّافِي- الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ- هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَانَ الْجُنَيْدُ يَقُولُ دَائِمًا: عِلْمُنَا هَذَا مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَمَنْ لَمْ يَحْفَظِ الْقُرْآنَ، وَيَكْتُبِ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَتَفَقَّهْ: لَا يُقْتَدَى بِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ الْعَارِفِينَ: كُلُّ حَقِيقَةٍ لَا تَتْبَعُهَا شَرِيعَةٌ فَهِيَ كُفْرٌ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ: عِلْمُنَا هَذَا مُتَشَبِّكٌ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: إِنَّهُ لَتَمُرُّ بِقَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ. فَلَا أَقْبَلُهَا إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ، مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَقَالَ النَّصْرَابَادِيُّ: أَصْلُ هَذَا الْمَذْهَبِ: مُلَازَمَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَتَرْكُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِالسَّلَفِ، وَتَرْكُ مَا أَحْدَثَهُ الْآخَرُونَ. وَالْإِقَامَةُ عَلَى مَا سَلَكَهُ الْأَوَّلُونَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ ذَلِكَ.
فَهَذَا الْعِلْمُ الصَّافِي، الْمُتَلَقَّى مِنْ مِشْكَاةِ الْوَحْيِ وَالنُّبُوَّةِ: يُهَذِّبُ صَاحِبَهُ لِسُلُوكِ طَرِيقِ الْعُبُودِيَّةِ. وَحَقِيقَتُهَا: التَّأَدُّبُ بِآدَابِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَتَحْكِيمُهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَالْوُقُوفُ مَعَهُ حَيْثُ وَقَفَ بِكَ. وَالْمَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ بِكَ. بِحَيْثُ تَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ شَيْخِكَ الَّذِي قَدْ أَلْقَيْتَ إِلَيْهِ أَمْرَكَ كُلَّهُ سِرَّهُ وَظَاهِرَهُ، وَاقْتَدَيْتَ بِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكَ. وَوَقَفْتَ مَعَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ. فَلَا تُخَالِفُهُ أَلْبَتَّةَ. فَتَجْعَلُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَكَ شَيْخًا، وَإِمَامًا وَقُدْوَةً وَحَاكِمًا، وَتُعَلِّقُ قَلْبَكَ بِقَلْبِهِ الْكَرِيمِ، وَرُوحَانِيَّتَكَ بِرُوحَانِيَّتِهِ، كَمَا يُعَلِّقُ الْمُرِيدُ رُوحَانِيَّتَهُ بِرُوحَانِيَّةِ شَيْخِهِ. فَتُجِيبُهُ إِذَا دَعَاكَ. وَتَقِفُ مَعَهُ إِذَا اسْتَوْقَفَكَ. وَتَسِيرُ إِذَا سَارَ بِكَ. وَتُقِيلُ إِذَا قَالَ، وَتَنْزِلُ إِذَا نَزَلَ. وَتَغْضَبُ لِغَضَبِهِ. وَتَرْضَى لِرِضَاهُ. وَإِذَا أَخْبَرَكَ عَنْ شَيْءٍ أَنْزَلْتَهُ مَنْزِلَةَ مَا تَرَاهُ بِعَيْنِكَ. وَإِذَا أَخْبَرَكَ عَنِ اللَّهِ بِخَبَرٍ أَنْزَلْتَهُ مَنْزِلَةَ مَا تَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ بِأُذُنِكَ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَتَجْعَلُ الرَّسُولَ شَيْخَكَ وَأُسْتَاذَكَ، وَمُعَلِّمَكَ وَمُرَبِّيكَ وَمُؤَدِّبَكَ. وَتَسْقُطُ الْوَسَائِطَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِلَّا فِي التَّبْلِيغِ. كَمَا تَسْقُطُ الْوَسَائِلُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمُرْسَلِ فِي الْعُبُودِيَّةِ. وَلَا تَثْبُتُ وَسَاطَةٌ إِلَّا فِي وُصُولِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَرِسَالَتِهِ إِلَيْكَ.
وَهَذَانَ التَّجْرِيدَانِ: هُمَا حَقِيقَةُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الْمَأْلُوهُ، الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ، وَرَسُولُهُ: الْمُطَاعُ الْمُتَّبَعُ، الْمُهْتَدَى بِهِ، الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الطَّاعَةَ سِوَاهُ. وَمَنْ سِوَاهُ: فَإِنَّمَا يُطَاعُ إِذَا أَمَرَ الرَّسُولُ بِطَاعَتِهِ. فَيُطَاعُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالطَّرِيقُ مَسْدُودَةٌ إِلَّا عَلَى مَنِ اقْتَفَى آثَارَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاقْتَدَى بِهِ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ.
فَلَا يَتَعَنَّى السَّالِكُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ. فَلَيْسَ حَظُّهُ مِنْ سُلُوكِهِ إِلَّا التَّعَبَ، وَأَعْمَالُهُ {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
وَلَا يَتَعَنَّى السَّالِكُ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ. فَإِنَّهُ وَاصِلٌ وَلَوْ زَحَفَ زَحْفًا. فَأَتْبَاعُ الرَّسُولِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا قَعَدَتْ بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، قَامَتْ بِهِمْ عَزَائِمُهُمْ وَهِمَمُهُمْ وَمُتَابَعَتُهُمْ لِنَبِيِّهِمْ. كَمَا قِيلَ:
مَنْ لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ الْمُدَلَّلِ ** تَمْشِي رُوَيْدًا وَتَجِي فِي الْأَوَّلِ

وَالْمُنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِهِ، إِذَا قَامَتْ بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَاجْتِهَادَاتُهُمْ: قَعَدَ بِهِمْ عُدُولُهُمْ عَنْ طَرِيقِهِ.
فَهُمْ فِي السُّرَى لَمْ يَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ** وَمَا ظَعَنُوا فِي السَّيْرِ عَنْهُ وَقَدْ كَلُّوا

قَوْلُهُ وَيُبَصِّرُ غَايَةَ الْجِدِّ الْجِدُّ: الِاجْتِهَادُ وَالتَّشْمِيرُ، وَالْغَايَةُ: النِّهَايَةُ.
يُرِيدُ: أَنَّ صَفَاءَ الْعِلْمِ يَهْدِي صَاحِبَهُ إِلَى الْغَايَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّشْمِيرِ. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّالِكِينَ- بَلْ أَكْثَرَهُمْ- سَالِكٌ بِجِدِّهِ وَاجْتِهَادِهِ، غَيْرُ مُنْتَبِهٍ إِلَى الْمَقْصُودِ.
وَأَضْرِبُ لَكَ فِي هَذَا مَثَلًا حَسَنًا جِدًّا، وَهُوَ: أَنَّ قَوْمًا قَدِمُوا مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ عَلَيْهِمْ أَثَرُ النَّعِيمِ وَالْبَهْجَةِ، وَالْمَلَابِسُ السَّنِيَّةُ، وَالْهَيْئَةُ الْعَجِيبَةُ. فَعَجِبَ النَّاسُ لَهُمْ. فَسَأَلُوهُمْ عَنْ حَالِهِمْ؟ فَقَالُوا: بِلَادُنَا مِنْ أَحْسَنِ الْبِلَادِ. وَأَجْمَعِهَا لِسَائِرِ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ. وَأَرْخَاهَا، وَأَكْثَرِهَا مِيَاهًا، وَأَصَحِّهَا هَوَاءً، وَأَكْثَرِهَا فَاكِهَةً، وَأَعْظَمِهَا اعْتِدَالًا، وَأَهْلُهَا كَذَلِكَ أَحْسَنُ النَّاسِ صُوَرًا وَأَبْشَارًا. وَمَعَ هَذَا، فَمَلِكُهَا لَا يَنَالُهُ الْوَصْفُ جَمَالًا وَكَمَالًا، وَإِحْسَانًا، وَعِلْمًا وَحِلْمًا، وَجُودًا، وَرَحْمَةً لِلرَّعِيَّةِ، وَقُرْبًا مِنْهُمْ. وَلَهُ الْهَيْبَةُ وَالسَّطْوَةُ عَلَى سَائِرِ مُلُوكِ الْأَطْرَافِ. فَلَا يَطْمَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي مُقَاوَمَتِهِ وَمُحَارَبَتِهِ. فَأَهْلُ بَلَدِهِ فِي أَمَانٍ مِنْ عَدُوِّهِمْ. لَا يَحِلُّ الْخَوْفُ بِسَاحَتِهِمْ. وَمَعَ هَذَا: فَلَهُ أَوْقَاتٌ يَبْرُزُ فِيهَا لِرَعِيَّتِهِ، وَيُسَهِّلُ لَهُمُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، وَيَرْفَعُ الْحِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ. فَإِذَا وَقَعَتْ أَبْصَارُهُمْ عَلَيْهِ: تَلَاشَى عِنْدَهُمْ كُلُّ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَاضْمَحَلَّ، حَتَّى لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ. فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَقْبَلَ عَلَيْهِ سَائِرُ أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ. وَنَحْنُ رُسُلُهُ إِلَى أَهْلِ الْبِلَادِ، نَدْعُوهُمْ إِلَى حَضْرَتِهِ. وَهَذِهِ كُتُبُهُ إِلَى النَّاسِ. وَمَعَنَا مِنَ الشُّهُودِ مَا يُزِيلُ سُوءَ الظَّنِّ بِنَا. وَيَدْفَعُ اتِّهَامَنَا بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَشَاهَدُوا أَحْوَالَ الرُّسُلِ: انْقَسَمُوا أَقْسَامًا.
فَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَا نُفَارِقُ أَوْطَانَنَا، وَلَا نَخْرُجُ مِنْ دِيَارِنَا، وَلَا نَتَجَشَّمُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ الْبَعِيدِ، وَنَتْرُكُ مَا أَلِفْنَاهُ مِنْ عَيْشِنَا وَمَنَازِلِنَا، وَمُفَارَقَةِ آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا، وَإِخْوَانِنَا لِأَمْرٍ وُعِدْنَا بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَنَحْنُ لَا نَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ الْجَهْدِ وَالْمَشَقَّةِ. فَكَيْفَ نَنْتَقِلُ عَنْهُ؟
وَرَأَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ مُفَارَقَتَهَا لِأَوْطَانِهَا وَبِلَادِهَا: كَمُفَارَقَةِ أَنْفُسِهَا لِأَبْدَانِهَا. فَإِنَّ النَّفْسَ- لِشِدَّةِ إِلْفِهَا لِلْبَدَنِ- أَكْرَهُ مَا إِلَيْهَا مُفَارَقَتُهُ. وَلَوْ فَارَقَتْهُ إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ.
فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ غَلَبَ عَلَيْهَا دَاعِي الْحِسِّ وَالطَّبْعِ عَلَى دَاعِي الْعَقْلِ وَالرُّشْدِ.
وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: لَمَّا رَأَتْ حَالَ الرُّسُلِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَهْجَةِوَحُسْنِ الْحَالِ، وَعَلِمُوا صِدْقَهُمْ: تَأَهَّبُوا لِلسَّيْرِ إِلَى بِلَادِ الْمَلِكِ. فَأَخَذُوا فِي الْمَسِيرِ. فَعَارَضَهُمْ أَهْلُوهُمْ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَعَشَائِرُهُمْ مِنَ الْقَاعِدِينَ. وَعَارَضَهُمْ إِلْفُهُمْ مَسَاكِنَهُمْ وَدُورَهُمْ وَبَسَاتِينَهُمْ. فَجَعَلُوا يُقَدِّمُونَ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُونَ أُخْرَى. فَإِذَا تَذَكَّرُوا طِيبَ بِلَادِ الْمَلِكِ وَمَا فِيهَا مِنْ سَلْوَةِ الْعَيْشِ: تَقَدَّمُوا نَحْوَهَا. وَإِذَا عَارَضَهُمْ مَا أَلِفُوهُ وَاعْتَادُوهُ مِنْ ظِلَالِ بِلَادِهِمْ وَعَيْشِهَا، وَصُحْبَةِ أَهْلِهِمْ وَأَصْحَابِهِمْ: تَأَخَّرُوا عَنِ الْمَسِيرِ، وَالْتَفَتُوا إِلَيْهِمْ. فَهُمْ دَائِمًا بَيْنَ الدَّاعِيَيْنِ وَالْجَاذِبَيْنِ، إِلَى أَنْ يَغْلِبَ أَحَدُهُمَا وَيَقْوَى عَلَى الْآخَرِ. فَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ.
وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: رَكِبَتْ ظُهُورَ عَزَائِمِهَا، وَرَأَتْ أَنَّ بِلَادَ الْمَلِكِ أَوْلَى بِهَا. فَوَطَّنَتْ أَنْفُسَهَا عَلَى قَصْدِهَا. وَلَمْ يَثْنِهَا لَوْمُ اللُّوَّامِ. لَكِنْ فِي سَيْرِهَا بُطْءٌ بِحَسَبِ ضَعْفِ مَا كُشِفَ لَهَا مِنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الْبِلَادِ وَحَالِ الْمَلِكِ.
وَالطَّائِفَةُ الرَّابِعَةُ: جَدَّتْ فِي السَّيْرِ وَوَاصَلَتْهُ. فَسَارَتْ سَيْرًا حَثِيثًا. فَهُمْ كَمَا قِيلَ:
وَرَكْبٍ سَرَوْا وَاللَّيْلُ مُرْخٍ سُدُولَهُ ** عَلَى كُلِّ مُغْبَرِّ الْمَطَالِعِ قَاتِمِ

حَدَوْا عَزَمَاتٍ ضَاعَتِ الْأَرْضُ بَيْنَهَا ** فَصَارَ سُرَاهُمْ فِي ظُهُورِ الْعَزَائِمِ

تُرِيهِمْ نُجُومُ اللَّيْلِ مَا يَطْلُبُونَهُ ** عَلَى عَاتِقِ الشِّعْرَى وَهَامِ النَّعَائِمِ

فَهَؤُلَاءِ هِمَمُهُمْ مَصْرُوفَةٌ إِلَى السَّيْرِ. وَقُوَاهُمْ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَثْنِيَةٍ مِنْهُمْ إِلَى الْمَقْصُودِ الْأَعْظَمِ، وَالْغَايَةِ الْعُلْيَا.
وَالطَّائِفَةُ الْخَامِسَةُ: أَخَذُوا فِي الْجِدِّ فِي الْمَسِيرِ. وَهِمَّتُهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْغَايَةِ، فَهُمْ فِي سَيْرِهِمْ نَاظِرُونَ إِلَى الْمَقْصُودِ بِالْمَسِيرِ. فَكَأَنَّهُمْ يُشَاهِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى بِلَادِهِ. فَهُمْ عَامِلُونَ عَلَى هَذَا الشَّاهِدِ الَّذِي قَامَ بِقُلُوبِهِمْ.
وَعَمَلُ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ شَاهِدِهِ. فَمَنْ شَاهَدَ الْمَقْصُودَ بِالْعَمَلِ فِي عِلْمِهِ كَانَ نُصْحُهُ فِيهِ، وَإِخْلَاصُهُ وَتَحْسِينُهُ، وَبَذْلُ الْجُهْدِ فِيهِ أَتَمَّ مِمَّنْ لَمْ يُشَاهِدْهُ وَلَمْ يُلَاحِظْهُ. وَلَمْ يَجِدْ مِنْ مَسِّ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ مَا يَجِدُهُ الْغَائِبُ، وَالْوُجُودُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ. فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِمَلِكٍ بِحَضْرَتِهِ، وَهُوَ يُشَاهِدُهُ: لَيْسَ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ عَمِلَ فِي غَيْبَتِهِ وَبُعْدِهِ عَنْهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ وُصُولَهُ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ وَيُصَحِّحُ هِمَّةَ الْقَاصِدِ أَيْ وَيُصَحِّحُ لَهُ صَفَاءُ هَذَا الْعِلْمِ هِمَّتَهُ، وَمَتَى صَحَّتِ الْهِمَّةُ عَلَتْ وَارْتَفَعَتْ. فَإِنَّ سُقُوطَهَا وَدَنَاءَتَهَا مِنْ عِلَّتِهَا وَسَقَمِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ كَالنَّارِ تَطْلُبُ الصُّعُودَ وَالِارْتِفَاعَ مَا لَمْ تُمْنَعْ.
وَأَعْلَى الْهِمَمِ: هِمَّةٌ اتَّصَلَتْ بِالْحَقِّ سُبْحَانَهُ طَلَبًا وَقَصْدًا. وَأَوْصَلَتِ الْخَلْقَ إِلَيْهِ دَعْوَةً وَنُصْحًا. وَهَذِهِ هِمَّةُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ. وَصِحَّتُهَا: بِتَمْيِيزِهَا مِنِ انْقِسَامِ طَلَبِهَا وَانْقِسَامِ مَطْلُوبِهَا وَانْقِسَامِ طَرِيقِهَا. بَلْ تَوَحَّدَ مَطْلُوبُهَا بِالْإِخْلَاصِ، وَطَلَبُهَا بِالصِّدْقِ، وَطَرِيقُهَا بِالسُّلُوكِ خَلْفَ الدَّلِيلِ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ دَلِيلًا. لَا مَنْ نَصَبَهُ هُوَ دَلِيلًا لِنَفْسِهِ.
وَلِلَّهِ الْهِمَمُ! مَا أَعْجَبَ شَأْنَهَا، وَأَشَدَّ تَفَاوُتَهَا. فَهِمَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَنْ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَهِمَّةٌ حَائِمَةٌ حَوْلَ الْأَنْتَانِ وَالْحُشِّ. وَالْعَامَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ. وَالْخَاصَّةُ تَقُولُ: قِيمَةُ الْمَرْءِ مَا يَطْلُبُهُ. وَخَاصَّةُ الْخَاصَّةِ تَقُولُ: هِمَّةُ الْمَرْءِ إِلَى مَطْلُوبِهِ.
وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَرَاتِبَ الْهِمَمِ، فَانْظُرْ إِلَى هِمَّةِ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-- وَقَدْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَلْنِي- فَقَالَ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. وَكَانَ غَيْرُهُ يَسْأَلُهُ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ، أَوْ يُوَارِي جِلْدَهُ.
وَانْظُرْ إِلَى هِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-- حِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ مَفَاتِيحُ كُنُوزِ الْأَرْضِ- فَأَبَاهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهَا لِأَنْفَقَهَا فِي طَاعَةِ رَبِّهِ تَعَالَى. فَأَبَتْ لَهُ تِلْكَ الْهِمَّةُ الْعَالِيَةُ: أَنْ يَتَعَلَّقَ مِنْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا سِوَى اللَّهِ وَمَحَابِّهِ. وَعُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِالْمُلْكِ، فَأَبَاهُ. وَاخْتَارَ التَّصَرُّفَ بِالْعُبُودِيَّةِ الْمَحْضَةِ. فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِقُ هَذِهِ الْهِمَّةِ، وَخَالِقُ نَفْسٍ تَحْمِلُهَا، وَخَالِقُ هِمَمٍ لَا تَعْدُو هِمَمَ أَخَسِّ الْحَيَوَانَاتِ.

.فَصْلٌ: [الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: صَفَاءُ حَالٍ يُشَاهَدُ بِهِ شَوَاهِدُ التَّحْقِيقِ]:

قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: صَفَاءُ حَالٍ، يُشَاهَدُ بِهِ شَوَاهِدُ التَّحْقِيقِ. وَيُذَاقُ بِهِ حَلَاوَةُ الْمُنَاجَاةِ. وَيُنْسَى بِهِ الْكَوْنُ.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ إِنَّمَا كَانَتْ أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهَا لِأَنَّهَا هِمَّةُ حَالٍ. وَالْحَالُ ثَمَرَةُ الْعِلْمِ، وَلَا يَصْفُو حَالٌ إِلَّا بِصَفَاءِ الْعِلْمِ الْمُثْمِرِ لَهُ. وَعَلَى حَسَبِ شَوْبِ الْعِلْمِ يَكُونُ شَوْبُ الْحَالِ. وَإِذَا صَفَا الْحَالُ: شَاهَدَ الْعَبْدُ- بِصَفَائِهِ- آثَارَ الْحَقَائِقِ. وَهِيَ الشَّوَاهِدُ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ، وَعَلَى غَيْرِهِ. وَوَجَدَ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ. وَإِذَا تَمَكَّنَ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ: نَسِيَ الْكَوْنَ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمُكَوِّنَاتِ.
وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ تَخْتَصُّ بِصَفَاءِ الْحَالِ كَمَا اخْتَصَّتِ الْأُولَى بِصَفَاءِ الْعِلْمِ.
وَالْحَالُ هُوَ تَكَيُّفُ الْقَلْبِ وَانْصِبَاغُهُ بِحُكْمِ الْوَارِدَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا، وَالْحَالُ يَدْعُو صَاحِبَهُ إِلَى الْمَقَامِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ الْوَارِدُ، كَمَا تَدْعُوهُ رَائِحَةُ الْبُسْتَانِ الطَّيِّبَةُ إِلَى دُخُولِهِ وَالْمَقَامِ فِيهِ. فَإِذَا كَانَ الْوَارِدُ مِنْ حَضْرَةٍ صَحِيحَةٍ- وَهِيَ حَضْرَةُ الْحَقِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ، لَا الْحَقِيقَةِ الْخَيَالِيَّةِ الذِّهْنِيَّةِ- شَاهَدَ السَّالِكُ بِصَفَائِهِ شَوَاهِدَ التَّحْقِيقِ، وَهِيَ عَلَامَاتُهُ: وَالتَّحْقِيقُ هُوَ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ، وَتَأَثُّرُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ بِهَا، وَالْحَقِيقَةُ مَا تَعَلَّقَ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ سُبْحَانَهُ. فَاللَّهُ هُوَ الْحَقُّ. وَالْحَقِيقَةُ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ وَتَعَلَّقَ بِهِ. وَالتَّحْقِيقُ تَأَثُّرُ الْقَلْبِ بِآثَارِ الْحَقِيقَةِ. وَلِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ، وَلِكُلِّ حَقِيقَةٍ تَحْقِيقٌ يَقُومُ بِمُشَاهَدَةِ الْحَقِيقَةِ.
قَوْلُهُ وَيُذَاقُ بِهِ حَلَاوَةُ الْمُنَاجَاةِ الْمُنَاجَاةُ: مُفَاعَلَةٌ مِنَ النَّجْوَى. وَهُوَ الْخِطَابُ فِي سِرِّ الْعَبْدِ وَبَاطِنِهِ. وَالشَّيْخُ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: مُشَاهَدَةُ شَوَاهِدِ التَّحْقِيقِ. الثَّانِي: ذَوْقُ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ. فَإِنَّهُ مَتَى صَفَا لَهُ حَالُهُ مِنَ الشَّوَائِبِ، خَلُصَتْ لَهُ حَلَاوَتُهُ مِنْ مَرَارَةِ الْأَكْدَارِ. فَذَاقَ تِلْكَ الْحَلَاوَةَ فِي حَالِ مُنَاجَاتِهِ. فَلَوْ كَانَ الْحَالُ مَشُوبًا مُكَدَّرًا لَمْ يَجِدْ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ. وَالْحَالُ الْمُسْتَنِدَةُ إِلَى وَارِدٍ تُذَاقُ بِهِ حَلَاوَةُ الْمُنَاجَاةِ: هُوَ مِنْ حَضْرَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، بِحَسَبِ مَا يُصَادِفُ الْقَلْبَ مِنْ ظُهُورِهَا وَكَشْفِ مَعَانِيهَا.
فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ اسْمُ الْوَدُودِ- مَثَلًا- وَكُشِفَ لَهُ عَنْ مَعَانِي هَذَا الِاسْمِ، وَلُطْفِهِ، وَتَعَلُّقِهِ بِظَاهِرِ الْعَبْدِ وَبَاطِنِهِ: كَانَ الْحَالُ الْحَاصِلُ لَهُ مِنْ حَضْرَةِ هَذَا الِاسْمِ مُنَاسِبًا لَهُ. فَكَانَ حَالَ اشْتِغَالِ حُبٍّ وَشَوْقٍ، وَلَذَّةِ مُنَاجَاةٍ، لَا أَحْلَى مِنْهَا وَلَا أَطْيَبَ، بِحَسَبِ اسْتِغْرَاقِهِ فِي شُهُودِ مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ. وَحَظِّهِ مِنْ أَثَرِهِ.
فَإِنَّ الْوَدُودَ- وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمَوْدُودِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: الْوَدُودُ الْحَبِيبُ- وَاسْتِغْرَاقُ الْعَبْدِ فِي مُطَالَعَةِ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي تَدْعُو الْعَبْدَ إِلَى حُبِّ الْمَوْصُوفِ بِهَا: أَثْمَرَ لَهُ صَفَاءَ عِلْمِهِ بِهَا، وَصَفَاءَ حَالِهِ فِي تَعَبُّدِهِ بِمُقْتَضَاهَا: مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهَا.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الْوَادِّ وَهُوَ الْمُحِبُّ: أَثْمَرَتْ لَهُ مُطَالَعَةُ ذَلِكَ حَالًا تُنَاسِبُهُ.
فَإِنَّهُ إِذَا شَاهَدَ بِقَلْبِهِ غَنِيًّا كَرِيمًا جَوَادًا، عَزِيزًا قَادِرًا، كُلُّ أَحَدٍ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ بِالذَّاتِ. وَهُوَ غَنِيٌّ بِالذَّاتِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ. وَهُوَ- مَعَ ذَلِكَ- يَوَدُّ عِبَادَهُ وَيُحِبُّهُمْ، وَيَتَوَدَّدُ إِلَيْهِمْ بِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ-: كَانَ لَهُ مِنْ هَذَا الشُّهُودِ حَالَةٌ صَافِيَةٌ خَالِصَةٌ مِنَ الشَّوَائِبِ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. فَصَفَاءُ الْحَالِ بِحَسَبِ صَفَاءِ الْمَعْرِفَةِ بِهَا وَخُلُوصِهَا مِنْ دَمِ التَّعْطِيلِ وَفَرْثِ التَّمْثِيلِ. فَتَخْرُجُ الْمَعْرِفَةُ مِنْ بَيْنِ ذَلِكَ فِطْرَةً خَالِصَةً سَائِغَةً لِلْعَارِفِينَ. كَمَا يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ.
وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ وَيُنْسَى بِهِ الْكَوْنُ أَيْ يُنْسَى الْكَوْنُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى قَلْبِهِ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِهَذِهِ الْحَالِ الْمَذْكُورَةِ. وَالْمُرَادُ بِالْكَوْنِ: الْمَخْلُوقَاتُ. أَيْ يَشْتَغِلُ بِالْحَقِّ عَنِ الْخَلْقِ.